الفرق بين مقياس كليفتون وبيركمان: مقارنة علمية وأيهما يناسبك؟
تسمع الكثير من الفتيات وأولياء الأمور عن مقياس كليفتون لنقاط القوة ومقياس بيركمان كأداتين عالميتين لفهم الشخصية، وتوجيه المسارات المهنية، واختيار التخصص الجامعي، وتحسين العلاقات. لكن غالبًا ما يحدث تشتت وحيرة: ما أصل كل مقياس؟ وماذا يقيسان فعليًا؟ ومن الشخص الأنسب لكل منهما؟ وهل هما أدوات علمية موثوقة أم مجرد موضة تسويقية؟
الموقف العلمي المتزن يوضح أن مقياس كليفتون ومقياس بيركمان أداتان تطويريتان مختلفتان لفهم الذات والاختلافات الفردية، ولكل منهما منهج مختلف في تحليل الشخصية. لكنهما ليسا أدوات تشخيص عيادي، ولا يمكن استخدامهما كحكم نهائي على مصير الإنسان أو قدراته.
إليكِ الدليل الكامل والمبسط لفهم الفرق بين مقياس كليفتون وبيركمان واختيار المقياس الأقرب إلى احتياجاتكِ وأهدافكِ.

مقياس كليفتون: وُلد من سؤال إيجابي بسيط
يرتبط مقياس كليفتون بأبحاث الدكتور الأمريكي دونالد كليفتون، الذي عُرف باهتمامه بدراسة نقاط القوة والمواهب بدلًا من التركيز فقط على نقاط الضعف ومواطن القصور.
انطلق كليفتون من سؤال غيّر طريقة التفكير في تطوير الإنسان:
«ماذا سيحدث لو درسنا ما هو صحيح ومتميز في الإنسان، بدلًا من التركيز على نقاط ضعفه وفشله؟»
لاحقًا، استحوذت مؤسسة غالوب العالمية على أبحاثه، وتطور هذا المنهج ليصبح ما يُعرف اليوم بـ CliftonStrengths، وهو تقييم يساعد على اكتشاف أنماط المواهب الطبيعية لدى الشخص، ثم فهم كيفية استثمارها وتطويرها.
مقياس بيركمان: وُلد من ملاحظة السلوك تحت الضغط
طوّر عالم النفس التنظيمي الدكتور روجر بيركمان منهج بيركمان عام 1951، مستلهمًا فكرته من ملاحظاته لتصرفات الأشخاص في البيئات شديدة الضغط.
لاحظ بيركمان أن أفراد الفريق الواحد قد يتصرفون بطرق مختلفة تمامًا تحت الضغط، فبدأ بتصميم أداة لا تكتفي بقياس السلوك الظاهر، بل تحاول فهم الاحتياجات والتوقعات التي قد تفسر هذا السلوك.
ومن هنا جاءت إحدى الأفكار الأساسية في منهج بيركمان: أن فهم سلوك الإنسان لا يكتمل من خلال مراقبة ما يفعله فقط، بل يحتاج أيضًا إلى فهم ما يحتاجه لكي يعمل ويعيش ويتفاعل براحة.

أنتِ بحاجة إلى مقياس كليفتون إذا كان سؤالكِ: «ما الذي أبرع فيه طبيعيًا؟»
يُعد مقياس كليفتون لنقاط القوة مناسبًا لمن ترغب في فهم مواهبها الطبيعية وأنماطها المتكررة في التفكير والشعور والتصرف.
وقد يكون مفيدًا بشكل خاص للشابات والطالبات والموظفات اللاتي يرغبن في:
- اكتشاف نقاط القوة لديهن.
- فهم ما يتقنّ فعله بشكل طبيعي.
- بناء تقدير ذات أكثر واقعية.
- تطوير الأداء في الدراسة والعمل.
- معرفة كيفية استثمار المواهب بدلًا من التركيز المستمر على نقاط الضعف.
فبدلًا من سؤال: «ما المشكلة في شخصيتي؟»، يساعدكِ المقياس على طرح سؤال مختلف:
«ما الذي أفعله بشكل طبيعي ويمكنني تطويره أكثر؟»
أنتِ بحاجة إلى مقياس بيركمان إذا كان سؤالكِ: «ماذا أحتاج لأعمل براحة؟ ولماذا أتوتر تحت الضغط؟»
أما مقياس بيركمان فيقدم زاوية مختلفة لفهم الشخصية. فهو يهتم بالعلاقة بين السلوك الظاهر، والاحتياجات الشخصية، والبيئة المحيطة، وما قد يحدث عندما لا يتم تلبية هذه الاحتياجات.
لذلك قد يكون مناسبًا لمن تتساءل:
لماذا أتصرف بهذه الطريقة؟
ما البيئة التي تساعدني على العمل براحة؟
لماذا أتوتر في مواقف معينة؟
لماذا تتكرر بعض المشكلات في علاقاتي؟
ما الذي أحتاجه لكي أشعر بالانسجام والإنتاجية؟
وقد يكون مفيدًا أيضًا في فهم الحيرة المهنية أو الأكاديمية، خصوصًا عندما لا يكون السؤال فقط: «ما الذي أحبه؟»، بل أيضًا: «ما البيئة التي أستطيع أن أستمر وأزدهر فيها؟»

حتى تتضح الصورة بشكل عملي بعيدًا عن الكلام النظري، إليكِ كيف يمكن أن يساعد فهم هذه المقاييس في القرارات والعلاقات والعمل.
1. نموذج تحديد المسار: كليفتون لنقاط القوة
سارة موظفة تشعر بالإحباط لأنها تقارن نفسها بزميلاتها اللاتي يمتلكن قدرة كبيرة على الإقناع والتحدث أمام الآخرين، وتظن أن قلة كلامها نقطة ضعف.
بعد خوض مقياس كليفتون لنقاط القوة، اكتشفت أن من أبرز مواطن قوتها أنماطًا مرتبطة بالتحليل والتعلم والإنجاز.
ساعدها فهم نقاط قوتها على التوقف عن جلد الذات، وإدراك أن قوتها قد تظهر بشكل أكبر في التخطيط، وحل المشكلات المعقدة، والعمل العميق خلف الكواليس.
وبدلًا من محاولة تقليد زميلاتها، بدأت في البحث عن أدوار تتوافق بشكل أكبر مع مواهبها الطبيعية، ما ساعدها على تطوير أدائها بثقة أكبر.
2. نموذج حيرة الطلاب: بيركمان للتخصص والبيئة المناسبة
نورة خريجة ثانوية كانت تظن أن تخصص التسويق يناسبها لمجرد أنها تحب متابعة الإعلانات والترندات.
لكن عند استخدام مقياس بيركمان، بدأت الصورة تصبح أكثر تفصيلًا. فقد ظهر اختلاف بين بعض سلوكياتها المعتادة واحتياجاتها الداخلية للهدوء والتنظيم والإنتاجية.
ساعدها ذلك على التفكير في التخصص ليس من زاوية الاهتمام العابر فقط، بل من زاوية أوسع تشمل:
هل البيئة اليومية لهذا التخصص تناسب طريقة عملي واحتياجاتي؟
وبذلك بدأت تقارن بين مجالات مختلفة مثل تحليل البيانات ونظم المعلومات وغيرها، مع التفكير في اهتماماتها واحتياجاتها وطبيعة البيئة التي يمكن أن تعمل فيها براحة واستمرارية.
3. نموذج التفاهم الزواجي: بيركمان لفهم اختلاف الاحتياجات
خالد وهند زوجان يمران بخلافات متكررة حول مفهوم «الاهتمام».
هند ترى أن خالد شخص بارد ولا يقدر مشاعرها، بينما يرى خالد أن هند تبالغ في ردود أفعالها.
بعد استخدام تقرير بيركمان المقارن، ظهرت بعض الاختلافات في طريقة احتياج كل طرف إلى التواصل والتفاعل.
فقد يكون خالد بحاجة إلى التواصل المباشر والمساحة الشخصية بعد يوم عمل طويل، بينما تحتاج هند إلى التعبير اللفظي العاطفي والمشاركة الفورية.
عندما فُهمت هذه الاختلافات، بدأ كل طرف يدرك أن تصرف الآخر قد لا يكون تجاهلًا أو عنادًا، بل قد يكون انعكاسًا لطريقة مختلفة في الاحتياج والتواصل.
وهنا يمكن أن يساعد فهم الشخصية على حماية العلاقة من الوقوع في فخ الشخصنة وسوء تفسير سلوك الآخرين.
4. نموذج الأمومة والتربية: فهم الأبناء بشكل أفضل
أم فهد كانت تضغط على ابنتها المراهقة لتكون قيادية واجتماعية وتواجه المجالس بالطريقة نفسها التي تتعامل بها الأم مع الآخرين.
لكن ذلك سبب للابنة عزلة وقلقًا مستمرًا.
بعد تحليل نمط الابنة، بدأت الأم تفهم أن ابنتها قد تمتلك نقاط قوة واحتياجات مختلفة، مثل العمق والتعاطف والإنصات، بدلًا من الظهور السريع والتفاعل الاجتماعي المستمر.
من خلال هذا الفهم، توقفت الأم عن محاولة قولبة ابنتها في قالب لا يشبهها، وبدأت في دعم نقاط قوتها الحقيقية.
وهنا لا يكون الهدف أن يصبح الأبناء متشابهين، بل أن نساعد كل شخص على فهم نفسه وتطوير قدراته بالطريقة التي تناسبه.

مقياس كليفتون CliftonStrengths
يركز على:
المواهب الطبيعية ونقاط القوة لديكِ.
يساعدكِ على الإجابة عن سؤال:
ما الذي أبرع فيه طبيعيًا؟
ماذا يوضح لكِ؟
- ما أبرز مواهبكِ الطبيعية؟
- ما نقاط القوة التي يمكنكِ تطويرها؟
- كيف تستثمرين قدراتكِ في الدراسة والعمل؟
- كيف تبنين على ما تتقنينه بدلًا من التركيز على نقاط ضعفكِ؟
يناسبكِ إذا كنتِ تريدين:
اكتشاف نقاط قوتكِ، وتطوير أدائكِ، وفهم المجالات التي يمكنكِ أن تتألقي فيها.
مقياس بيركمان The Birkman Method
يركز على:
السلوك المعتاد، والاحتياجات الشخصية، والبيئة المناسبة، وما قد يحدث تحت الضغط.
يساعدكِ على الإجابة عن سؤال:
كيف أعمل؟ وماذا أحتاج لكي أعمل وأتفاعل براحة؟
ماذا يوضح لكِ؟
- ما احتياجاتكِ في بيئة العمل؟
- لماذا تتوترين في مواقف معينة؟
- كيف تتعاملين مع الآخرين؟
- ما البيئة التي تساعدكِ على الشعور بالراحة والإنتاجية؟
- ما الذي قد يحدث عندما لا يتم تلبية احتياجاتكِ؟
يناسبكِ إذا كنتِ تريدين:
فهم نفسكِ بشكل أعمق، وحيرة التخصص، وتحسين العلاقات، وفهم أسباب التوتر وسلوككِ تحت الضغط.
باختصار:
كليفتون يسألكِ:
ما نقاط قوتي؟
بيركمان يسألكِ:
كيف أعمل؟ وماذا أحتاج لكي أعمل بشكل أفضل؟
ولهذا فإن المقارنة بين كليفتون وبيركمان لا تعني أن أحدهما «أفضل» بشكل مطلق من الآخر، بل إن الاختيار يعتمد على السؤال الذي تريدين الإجابة عنه.

الخرافة الأولى: «هذه المقاييس مثل الأبراج»
التوضيح: هناك فرق كبير بين التقييمات النفسية المنظمة وبين العبارات العامة التي يمكن أن تنطبق على معظم الأشخاص.
تستند أدوات القياس النفسي إلى مفاهيم وإجراءات إحصائية مثل الثبات والصدق، ويتم تقييمها وفق معايير علم القياس النفسي.
ومع ذلك، فإن وجود أساس سيكومتري لا يعني أن التقرير يختصر الإنسان بالكامل أو يقدم «حقيقة نهائية» عن شخصيته.
الخرافة الثانية: «النتائج تتغير، فما الفائدة منها؟»
التوضيح: بعض السمات والاحتياجات الشخصية قد تكون مستقرة نسبيًا، لكن طريقة تعبير الإنسان عنها قد تتأثر بالنضج والخبرات والظروف والأدوار التي يعيشها.
لذلك لا ينبغي النظر إلى نتيجة أي مقياس باعتبارها صورة جامدة لا تتغير أبدًا، بل باعتبارها أداة تساعدكِ على فهم نفسكِ في سياق معين، والاستفادة من هذا الفهم في التطوير واتخاذ القرارات.
الخرافة الثالثة: «المقياس يكشف حقيقتكِ النهائية»
التوضيح: المقاييس أدوات وصفية وليست حتمية.
لا تضعكِ في قالب جامد، ولا تخبركِ بأنكِ لا تستطيعين النجاح في مجال معين.
يمكن لشخصين النجاح في التخصص أو الوظيفة نفسها، لكن كل شخص قد يصل إلى النجاح من خلال نقاط قوة واحتياجات وطريقة عمل مختلفة.
الخرافة الرابعة: «يمكن استخدام هذه المقاييس وحدها لاتخاذ قرارات مصيرية»
التوضيح: من أكبر الأخطاء استخدام أي مقياس شخصية باعتباره العامل الوحيد في اختيار التخصص أو الوظيفة أو الحكم على الكفاءة.
يمكن أن تساعدكِ نتائج المقاييس على فهم نفسكِ بشكل أفضل، لكنها لا تغني عن دراسة اهتماماتكِ وقدراتكِ وخبراتكِ وظروفكِ وأهدافكِ.
فالمقياس أداة مساعدة لاتخاذ القرار، وليس بديلًا عن القرار نفسه.

الخلاصة: أيهما يناسبكِ.. كليفتون أم بيركمان؟
مقياس كليفتون وبيركمان ليسا أداتين متنافستين بالضرورة، بل هما طريقتان مختلفتان للإجابة عن أسئلة مختلفة.
إذا كان هدفكِ هو اكتشاف مواهبكِ الطبيعية، وفهم نقاط قوتكِ، ومعرفة ما يمكنكِ تطويره واستثماره في حياتكِ اليومية أو المهنية، فإن مقياس كليفتون لنقاط القوة قد يكون نقطة بداية مناسبة لكِ.
أما إذا كنتِ تقفين أمام قرار مهم مثل اختيار التخصص الجامعي، أو تحاولين فهم أسباب التوتر في العمل والعلاقات، أو تريدين فهم احتياجاتكِ والبيئة التي تساعدكِ على العمل والعيش بانسجام أكبر، فقد يكون مقياس بيركمان مناسبًا للسؤال الذي تبحثين عن إجابته.
وفي النهاية، فإن أفضل مقياس ليس بالضرورة المقياس الأكثر شهرة، بل المقياس الذي يجيب عن السؤال الذي يشغلكِ الآن.
فاسألي نفسكِ أولًا:
هل أريد أن أعرف ما الذي أبرع فيه؟
أم أريد أن أفهم كيف أعمل؟ وماذا أحتاج لكي أشعر بالراحة والانسجام؟
إجابتكِ عن هذا السؤال قد تساعدكِ على معرفة أيهما أقرب إلى احتياجاتكِ: كليفتون أم بيركمان.
ملاحظة: مقاييس الشخصية والتطوير الذاتي أدوات لفهم الذات وتطويرها، وليست أدوات تشخيص عيادي أو حكمًا نهائيًا على قدرات الإنسان أو مستقبله.